آخر الأخبارأخبارأخبار العالم

نعمة بلوغ الصائمين شهر رمضان

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

مقال بقلم: د. عبد الفتاح أحمد أبو كيلة

أستاذ الفقه المساعد – بجامعة الأزهر

عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد…

فما من شهر يدعو المسلم ربه أن يبلغه إياه أكثر من شهر رمضان المبارك، فلا تكاد تجلس مع شخص أو تتحدث مع أحد في أي وقت من أوقات العام إلا ويدعو ربه ويتمنى عليه أن يبلغه رمضان وألا يحرمه لقاءه؛ حتى يصوم نهاره ويقوم ليله؛ فيغفر ذنبه، وتمحى خطيئته، وترفع درجته، وتثقل موازينه في الدنيا والآخرة .

” اللهم بلغنا رمضان” : دعوة يدعو بها المسلم ربه؛ كلما اقترب هلاله، ودنت أيامه، ويرجو ألا يموت قبل أن يحققها الله – تعالى- له؛ لما يمثله له شهر رمضان موسما من أعظم المواسم التي تقوي صلته بخالقه، وتجدد الإيمان في فؤاده، ولذلك يفرح بمقدمه ويستبشر بنعمته.

ولذلك كان من أعظم نعم الله – تعالى – على عباده؛ أن يبلغهم شهر رمضان، تلك النعمة التي تستوجب فرحهم بها؛ لقول الله – تعالى- :” قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ” ( سورة يونس :الآية 58) ومن ثم شكرهم لله – تعالى – عليها.

إن إدراك هذه النعمة وما تحتويه من صيام، وصلاة، وقيام، وقراءة للقرآن، وصلة للأرحام …يفوق أجر الشهيد في سبيل الله – تعالى – يوم القيامة؛ لما يحصله الصائم من حسنات ، وما يحط عنه من سيئات في هذا الشهر الكريم والذي لم يدركه الشهيد بعد استشهاده؛ لما روي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- رضي الله عنه -: أَنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَانَ إِسْلامُهُمَا جَمِيعًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ صَاحِبِهِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا وَقَدْ خَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَيَّ فَقَالا لِي: ارْجِعْ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: ” مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟ ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدَخَلَ هَذَا الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ: ” أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟ ” قَالُوا: بَلَى. قال: ” وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ؟ ” قَالُوا: بَلَى قال: ” وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا سَجْدَةً فِي السَّنَةِ؟ ” قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ” فَلَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ” .( أحمد في مسنده :رقم 1403)

ويكفي الصائم في شهر رمضان أنه إذا صام، وقام، وأحسن العمل؛ غفر له ما تقدم من ذنبه ودخل الجنة يوم القيامة من باب الصائمين، لما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم :” مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ” ( البخاري : رقم 2014) .

ومن ثم؛ فإنه ينبغي على الصائمين الذين بلغوا هذه النعمة ووفقوا إليها؛ أن يعلموا أنهم من المحظوظين السعداء؛ مما يتوجب عليهم استشعار عظمته هذه النعمة، واغتنام فرصتها، وهذا من قبيل شكرهم لله – تعالى – عليها، ومقابلة للإحسان بالإحسان؛ فإن فرطوا في ذلك؛ انقلبت النعمة إلى نقمة، وتحول النعيم إلى شقاء؛ فكانوا من الخائبين الخاسرين الذين قصروا في جنب الله- تعالى-، ولم يحسنوا استغلاله نعمه عليهم؛ لما روي عن رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: «احْضَرُوا الْمِنْبَرَ» فَحَضَرْنَا فَلَمَّا ارْتَقَى دَرَجَةً قَالَ: «آمِينَ» ، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّانِيَةَ قَالَ: «آمِينَ» فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّالِثَةَ قَالَ: «آمِينَ» ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْنَا مِنْكَ الْيَوْمَ شَيْئًا مَا كُنَّا نَسْمَعُهُ قَالَ: ” إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَرَضَ لِي فَقَالَ: بُعْدًا لِمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يَغْفَرْ لَهُ قُلْتُ: آمِينَ، فَلَمَّا رَقِيتُ الثَّانِيَةَ قَالَ: بُعْدًا لِمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ قُلْتُ: آمِينَ، فَلَمَّا رَقِيتُ الثَّالِثَةَ قَالَ: بُعْدًا لِمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ عِنْدَهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ قُلْتُ: آمِينَ ” ( مستدرك الحاكم : رقم 7256 )

فنشكره تعالى على نعمة بلوغ وإدراك شهر رمضان المعظم، ونسأله أن يوفقنا لطاعته واستغلال نعمته، وأن يجنبنا التقصير والتفريط؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وكل عام وحضراتكم بخير.


الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock